كرفان ينشر البسمة على وجوه الأطفال النازحين

May 12, 2016

بعد أن خرجوا من منازلهم وقراهم، لم يبقَ أمام الأطفال النازحين إلا التأقلم مع حياتهم الجديدة المليئة بالمعاناة في مناطق النزوح المختلفة. وكانت هذه الظروف القاسية دافعاً لمجموعةٍ من الناشطين الشباب، فشكّلوا فريقاً تطوّعياً أطلقوا عليه "مشروع كرفان"، لمُساعدة هؤلاء الأطفال في أماكن نزوحهم. يتكوّن المشروع من مجموعة من الكرفانات تنتشرُ في أماكن تواجد النازحين، لتُقدّم الخدمات الترفيهية والتعليمية والتثقيفة للأطفال في محاولة لإخراجهم من أجواء الحرب والنزوح، بالإضافة إلى تقديم الدعم النفسي لهم، واحتوائهم في أماكن مُفيدة تبعدهم عن التشرد أو اللعب في الطرقات والأزقّة.
رُؤية القائمين على المشروع
ومن خلال سؤالنا لمدير المشروع، الأستاذ خلدون، عن هدف المشروع وما حققه حتى الآن من تقديم خدمات للأطفال، أجاب قائلاً: "يعملُ الكرفان في أماكن النزوح الصعبة والنائية، وينتقي أكثر المستضعفين فيها ليساعدهم. التنمية المستدامة هدفنا في المجتمع، وعمل مشروعنا على تقديم 14 برنامجاً منوّعاً ضمن فرق العمل التي يصل عدد المتطوعين فيها إلى 65 متطوعاً يعملون في مناطق مختلفة من سوريا، في أرياف ادلب وحلب واللاذقية بالإضافة لبعض الأنشطة الفصلية السابقة في ريف دمشق والقلمون، حيثُ كان لنا بعض النشاطات لكننا لم نستطع أن نغطي كامل المدن والمحافظات السورية، بسبب صعوبة العمل الإنساني في أوضاع الحرب الدائرة حالياً"، كما نوّه خلدون إلى أن لدى فريق العمل خبرة تتراوح بين 10 إلى 15 عاماً ضمن اختصاصات مختلفة، مضيفاً: "نعتمدُ على كورسات تعليمية وتثقيفية ودعم نفسي، وتصل خدماتنا إلى قرابة ألفَي طفل في مناطق نزوحهم، وأعددنا دراسة لإنشاء مُخيّمات في القلمون، وبيت للكرفان في الغوطة الشرقية".

ونظراً لكون الأطفال الشريحة الأكثر تضرراً من الحروب، توجَّه مشروع الكرفان أولاً إلى الطفل، وثانياً، كشرط رئيسي، إلى النزوح. ووضّح لنا سبب هذا التوجه بالقول: "ليس لدى الأطفال النازحين أي فرص بحياة أفضل إذا لم نساعدهم؛ فالمنظمات العالمية والمعتمدة لا تستطيع الوصول إليهم، ولا تبذلُ الكثير من الوقت والجهد في التعامل مع أطفالٍ نازحين في المخيمات المبعثرة وغير المعتمدة".

الأستاذ عبد الرزاق سلوم، 30 عاماً وأحد المتطوعين في كرفان حيش، قال لنا: "نعملُ على مدار الأسبوع، ونحاول أن نرسم بسمة على وجوه الأطفال البريئة التي تشوهها الحرب. ننظمُ في كرفان بعض المسابقات الترفيهية والألعاب، ونوزع على الأطفال بعض الجوائز الرمزية لتحفيزهم، وهذا ما يدفع الكثير من الأهالي إلى تسجيل أبنائهم في المشروع".

موقف أولياء أمور الأطفال النازحين

برغم المُعاناة، كان المشروع شمعةً في ليل أولئك الأطفال، ويقول الأهالي أنهم لم يعودوا قلقين على أطفالهم من اللعب في الشوارع أو حرمانهم من حقهم في التعليم والترفيه واللعب، فضلاً عن الآثار النفسية التي يتعرضون إليها. السيد رضوان- عمرهُ (45) ونزح من ريف حماة الشمالي ووالد الطفل حُسين- يقيم مع عائلته في بلدة حيش في ريف إدلب الجنوبي، قال لنا: "كنت أخاف على أولادي من الضياع في شوارع الغربة والنزوح. سمعنا بمشروع الكرفان، فأرسلتُ ولدي حسين لعلّه يتلقى بعض التعليم في الكرفان. لم أكن أتوقع النتائج، فسيرة الكرفان على لسان ابني طيلة الوقت، وهو سعيدٌ بما يتلقاه فيه من ترفيه وتعليم طيلة اليوم".

كما التقينا بالطفل سعد، وعمره ستة أعوام وهو من قرية اللطامنة بريف حماة الشمالي، حيث حدّثنا مُختزلاً براءة أطفال سوريا بالقول: "نحنا مبسوطين كتير لأنن عم يلاعبونا ويعلمونا".

رأي الخبراء النفسيين

تَظهرُ مُنعكسات الحرب النفسية على الأطفال أكثر من غيرهم، مما يُسبّب لهم في الكثير من الأحيان عُقَدَاً مستقبلية ترافقهم حتى الكبر ما لم يتدارك المعنيون، من منظمات دولية أو محلية، تلك المنعكسات عبر إطلاق مشاريع ترفيهية وتعليمية، كمشروع الكرفان، وظيفتها تعويضهم عن  جزءٍ من حالة عدم التكامل النفسي. يقولُ الخبير النفسي الأستاذ عبد الله الزيدان: "للحروب آثارها السلبية على الجوانب الجسدية والجنسية والنفسية والاجتماعية، والأطفال هم أكثر فئة عمرية عرضة للتأثر بهمجية القوة والعنف بسبب عدم اكتمال نضجهم نفسياً واجتماعياً. نعتمدُ في حالات الأطفال، في ظل الكوارث والأزمات وانعكاساتها النفسية والمعرفية والسلوكية، على الطفل ذاته وكذلك على آليات التدخل السريع، بالإضافة إلى الدور الذي يقع على عاتق الأسرة والمؤسسات التطوعية. وهذا ما يعمل عليه مشروع الكرفان وفقاً للأهداف المرسومة والمحددة، وآليات العمل المطروحة".

توسعة المشروع

أكّدَ القائمون على مشروع كرفان في أكثر من مُناسبة أن عملهم لن يتوقف عند هذا الحد، وأنهم يعملون على توسيع المشروع الذي خُصِّصَ له من الزمن عشر سنوات ليحققَ أهدافهُ في خدمة شريحة كبيرة من الأطفال السوريين الذين تضرروا من الحرب وأصبحوا من أكبر خسائرها، ورسم الابتسامة وحب الحياة على وجوههم البريئة من جديد.

www.moubader.com